في زمن تتصاعد فيه أزمات المواطنين المعيشية والصحية والتربوية، يُفترض أن تكون البلديات خط الدفاع الأول عن مصالح الناس وهمومهم. إلا أن ما يجري في بلدية السفيرة – الضنية، مؤخرًا، يطرح علامات استفهام كبيرة حول أولويات العمل البلدي، ومدى التزامه بالعدالة والشفافية.
فبعد انتشار خبر تعيين أربعة شرطيين بلديين من دون إعلان أو مباراة رسمية، وبغياب أي آلية واضحة، تصاعدت حدة الانتقادات الشعبية، خصوصًا بعدما تبيّن أن التعيينات جرت وفق مبدأ “حصص عائلية”، شملت أسماء من عائلات معروفة في البلدة: هرموش، اليخني، حسون، ولاغا. وهو ما وصفه أحد أبناء البلدة بـ”توزيع المواقع البلدية على العائلات الكبرى، بينما تُقصى العائلات الصغرى وتُعامل كأنها من كوكب آخر”.
هذه القضية كشفت عن غياب الشفافية، وطرحت أسئلة مشروعة:
لماذا لم يُعلن عن التوظيف؟
أين هو مبدأ تكافؤ الفرص؟
وهل أصبحت البلدية ملكًا عائليًا موزعًا بالتساوي بين الأقوياء؟
المفارقة أن هذا التعيين “الصامت” جاء في نفس التوقيت الذي أعلنت فيه بلدية السفيرة فرض بدل شهري على الأهالي قدره 10 دولارات عن كل وحدة سكنية، لتأمين خدمات جمع النفايات وتشغيل بئر المياه، في ظل ما وصفته بـ”الضغوط المالية والتشغيلية”. وهو قرار قد يبدو منطقيًا في ظل الظروف الاقتصادية، لكنه يزيد من مسؤولية البلدية في أن تكون عادلة وشفافة في إنفاق المال العام وتوظيف الأفراد.
وفي مشهد آخر، حرصت البلدية على تسليط الضوء عبر صفحتها الرسمية على زيارة رئيسها الأستاذ أحمد علي اليخني ووفد من الأعضاء إلى النائب والوزير السابق فيصل كرامي، حيث جرى الحديث عن المنح الجامعية ودعم مستوصف البلدة. وبالرغم من أهمية هذا التحرك ومضمونه الإيجابي، اعتبره بعض الأهالي محاولة لصرف الأنظار عن التجاوزات الداخلية و”تزيين الصورة” بالزيارات والعلاقات العامة، بينما تبقى الملفات الداخلية في التوظيف والخدمات اليومية بعيدة عن الإصلاح الفعلي.
وفي خضم هذا الجدل، لم يصدر عن البلدية أي توضيح رسمي أو بيان يشرح آلية التوظيف أو يُبرّر التجاوز.
وبينما تُطالب البلدية الأهالي بدفع بدل شهري بقيمة 10 دولارات عن كل وحدة سكنية لتغطية خدمات النفايات والمياه، في ظل “ضغوط مالية وتشغيلية”، كان من البديهي أن تُقابل هذه المطالب بمستوى أعلى من الشفافية والمسؤولية في التوظيف والإنفاق.
في موازاة ذلك، نشرت البلدية على صفحتها الرسمية خبر زيارة رئيسها الأستاذ أحمد علي اليخني ووفد مرافق إلى معالي الوزير فيصل كرامي، لبحث ملفات التعليم والاستشفاء في البلدة. وبالرغم من أهمية هذه القضايا، وجد بعض المواطنين أن الزيارة تأتي في سياق “تلميع الصورة” والظهور الإعلامي، بدل معالجة جذور الأزمة.
ولعل أبرز التعليقات التي ظهرت على المنشور كانت من أحد أبناء البلدة الذي قال:
“ليش ما نزلت الصورة يوم يلي كنت عند الأستاذ جهاد الصمد يا معالي الرئيس؟”
في إشارة واضحة إلى الانتقائية في نشر أخبار اللقاءات، ووجود اصطفافات سياسية تتحكم حتى في ما يُنشر للناس.
هذا التعليق فتح الباب مجددًا أمام تساؤلات حول ازدواجية المعايير في العمل البلدي، وعدم مراعاة التوازنات السياسية والاجتماعية داخل البلدة، في وقت تحتاج فيه السفيرة إلى إدارة تتخطى الحسابات الضيقة وتنطلق من المصلحة العامة وحدها.
في الخلاصة، إن ما تشهده بلدية السفيرة اليوم هو مؤشر خطير على تراجع القيم الإدارية، وتحول العمل البلدي إلى مساحة مغلقة على “الكبار”، وسط تهميش للكفاءة، واستخفاف برأي الناس، وغياب الشفافية. وإذا لم يُصحّح المسار سريعًا، فإن الثقة بين المواطن ومؤسسته المحلية ستكون على المحك.
