تكشف قضيّة “الأمير السّعوديّ المزعوم أبو عمر” مسارًا معقّدًا من ادّعاء النّفوذ واختراق دوائر سياسيّة واقتصاديّة في لبنان عبر وعودٍ بغطاءٍ إقليميّ، قيل إنّه سعوديّ، قبل أن تتدحرج الوقائع إلى تحقيقاتٍ أمنيّة وإجراءاتٍ قضائيّة.
وبحسب معلومات حصلت عليها “المدن”، فإنّ توقيف المدعوّ “أبو عمر” حصل من قبل مخابرات الجيش، بعد مطالبة جهاتٍ سعوديّة الأجهزةَ اللبنانيّة بضرورة توقيف شخصٍ ينتحل صفة “مسؤول في الدّيوان الملكيّ السّعوديّ” عبر صفحةٍ منتحلة.
رواية بدأت عام 2015
وفق المعطيات المتداولة، تعود بدايات القصّة إلى العام 2015، حين روّج خلدون عريمط لوجود شخصيّة قُدِّمت على أنّها أميرٌ سعوديّ من الدّيوان الملكيّ يُدعى “أبو عمر”، وقيل إنّه قريبٌ من دوائر القرار في المملكة وقادرٌ على التأثير في المسارات السّياسيّة اللبنانيّة. وتشير المصادر نفسها إلى أنّ أوّل من تأثّر بهذه الرّواية كان الصّحافي رضوان السّيّد، قبل أن تمتدّ لاحقًا إلى محيط الرّئيس السّابق للحكومة فؤاد السّنيورة، حيث جرى، وفق الرّواية، تسويق علاقةٍ مباشرةٍ مع القيادة السّعوديّة وبناء صورةٍ سياسيّةٍ استُخدمت داخليًّا في أكثر من محطة.
وعود سياسيّة خارج القنوات الرّسميّة
وتُفيد المعطيات بأنّ “أبو عمر” قُدِّم كحلقة وصل غير رسميّة مع مرجعيّاتٍ سعوديّة عليا، مع خطابٍ قائمٍ على وعودٍ مؤجّلة، ورسائل متكرّرة مفادها أنّ “التّوجيهات ستصل في الوقت المناسب” إلى السّفير السّعوديّ أو جهاتٍ أخرى. ونُسبت إلى هذه الوعود، بحسب ما يُتداول، محاولات دفع أسماء إلى رئاسة الحكومة، أو إعادة مرشّحين إلى النّيابة، أو تسهيل وصول طامحين للمرة الأولى إلى المجلس.
اللافت، وفق المعطيات، أنّ الرّواية اشترطت منذ البداية إبقاء التّواصل بعيدًا عن أيّ قناةٍ رسميّة أو إعلاميّة، وعدم إبلاغ السّفير السّعوديّ أو أيّ جهةٍ دبلوماسيّة، بذريعة “حساسيّة المسار”، ما خلق، بحسب متابعين، مناخًا موازيًا يوحي بغطاءٍ إقليميّ غير مُعلن.
لائحة مستهدفين مزعومة وأموال مقابل “وساطات“
وتقول الرّوايات إنّ عمليّة الإيهام استهدفت شخصيّات متموّلة أو طامحة لدورٍ سياسيّ أكبر، ولا سيّما في البيئة السُّنّيّة، حيث استُخدم عامل “الدّعم السّعوديّ” كرافعةٍ للإقناع. وتُدرج المعطيات أسماءً سياسيّة واقتصاديّة قيل إنّها تعرّضت لمحاولات الاستدراج أو التّأثير، من بينها، وفق ما ورد في النّصّ، محمد شقير، نزيه حمد، ميشال فرعون، غسّان حاصباني، سمير جعجع، جاد دميان، أحمد هاشمية، أحمد حدّارة، سرحان بركات، إلى جانب أسماءٍ أخرى.
وبحسب ما يُتداول، كان خلدون عريمط يطلب دعمًا ماليًّا لنفسه، أو لنجله، أو لجمعيّاتٍ وأشخاص قيل إنّهم بحاجةٍ للمساعدة، على أن تُقسَّم الأموال بينه وبين من كان ينفّذ “الدّور”، مع حديثٍ عن حصّةٍ أكبر لعريمط.
“أبو عمر” بلا ظهور، واتصالات بلهجةٍ خليجيّة
مع مرور الوقت، تكاثرت علامات الاستفهام، إذ لم يظهر “أبو عمر” علنًا، وبقي حضوره محصورًا باتصالاتٍ هاتفيّة. وهنا برز، وفق الرّواية، اسم مصطفى الحسيان، وهو لبنانيّ من عكّار يعمل في مجال حدادة السّيّارات، واتُّهم بأنّه كان ينتحل صفة “الأمير”. وتشير المعطيات إلى أنّ الحسيان كان يحضر اجتماعاتٍ مع خلدون عريمط ويطّلع على تفاصيلها، ثم يغادر ليعاود الاتّصال بالأطراف نفسها معرّفًا عن نفسه بصفته “أبو عمر”، مستخدمًا لهجةً بدويّة قريبة من اللهجة الخليجيّة، وبالتّنسيق مع عريمط.
لحظة كاشفة وتحقيقات مخابرات الجيش
التحوّل المفصليّ، وفق ما يرويه متابعون، حصل قبل نحو 3 إلى 4 أشهر، عندما بدأ بعض المتضرّرين التّواصل مع جهاتٍ مطّلعة على العلاقات اللّبنانيّة السّعوديّة. وفي إحدى الوقائع، حاول أحدهم الاتّصال بـ”أبو عمر” أثناء وجوده برفقة مصطفى الحسيان، فرَنَّ الهاتف الموجود مع الأخير، ما اعتُبر نقطة انكشاف دفعت نحو متابعةٍ أمنيّةٍ أكثر جديّة.
لاحقًا، جرى توقيف مصطفى الحسيان من قبل مخابرات الجيش ضمن تحقيقاتٍ قيل إنّها لا تزال جارية، مع الإشارة إلى اسمٍ آخر يُدعى محمود على صلةٍ بالملف. كما يجري تداول الحديث عن تسجيلاتٍ صوتيّة ومواد مصوّرة تتضمّن اعترافاتٍ منسوبة إلى الحسيان حول انتحاله الصّفة، وتكليف عريمط له بتنفيذ الاتّصالات.
واقعة نيسان 2024، واتّصال بالسّفارة أسقط الرّواية
وتشير الرّواية إلى أنّ حادثةً وقعت في نيسان 2024 ساهمت في تعرية القصّة، إذ طُلب، خلال التّعازي بوفاة زوج السّيّدة بهيّة الحريري، أن يقوم “الأمير أبو عمر” بتقديم واجب العزاء. ونُقل الأمر لاحقًا إلى الرّئيس سعد الحريري وفريقه على أنّه “إشارة إيجابيّة” لعلاقةٍ مع مرجعيّاتٍ سعوديّة، إلّا أنّ تواصل السّيّدة الحريري مباشرةً مع السّفارة السّعوديّة، بحسب ما ورد، قاد إلى نفيٍ قاطع لأيّ تواصلٍ أو مسارٍ من هذا النّوع.
أرقام ماليّة متداولة وخروجٌ إلى الإمارات
ماليًّا، تتحدّث الرّوايات عن خسائر تكبّدها بعض الضّحايا بين عشرات آلاف الدّولارات، وصولًا، في بعض الحالات، إلى ما بين 100 ألف و500 ألف دولار. كما جرى تداول معلوماتٍ تفيد بأنّ الوزير السّابق ميشال فرعون خصّص مبلغًا شهريًّا بقيمة 4 آلاف دولار لخلدون عريمط، في إطار دعمٍ سياسيّ مرتبط بوعودٍ بإعادته إلى النّيابة، وهي معطيات تبقى، حتى الآن، في إطار ما يُنقل عن مصادر متداولة بانتظار ما تقوله المستندات والتحقيقات.
وفي تطوّرٍ لافت، تُفيد معطيات متداولة بأنّ خلدون عريمط غادر لبنان أخيرًا متوجّهًا إلى دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، بالتزامن مع تصاعد الشبهات والضّغوط حول الملف.
تداعيات سياسيّة وشبهة التأثير على محطّات سياديّة
سياسيًّا، تذكر المعطيات أنّ عريمط كان حاضرًا في مناسباتٍ شارك فيها رئيس حزب “القوّات اللّبنانيّة” سمير جعجع، قبل أن يتلقّى جعجع، وفق الرّوايات، ملاحظات وعتبًا من جهاتٍ سعوديّة بسبب التّواصل غير المباشر خارج القنوات الرّسميّة. وتربط مصادر هذا العتب باستياءٍ سعوديّ من محاولات الالتفاف على المسارات الدّبلوماسيّة المعتمدة والتّعامل مع شخصيّاتٍ ادّعت تمثيلًا أو نفوذًا داخل دوائر القرار.
وتذهب بعض الأحاديث في الكواليس أبعد، إذ يُتداول كلامٌ عن دورٍ مزعوم لـ”أبو عمر” ليلة الاستشارات النّيابيّة الملزمة وتسمية رئيس الحكومة نواف سلام، عبر “توجيهات سعوديّة” قيل إنّ بعض النوّاب تلقّوها. وإذا ثبتت هذه الفرضيّات بالأدلّة، فإنّها، وفق متابعين، تنقل الملف من دائرة الاحتيال الماليّ إلى شبهة التّأثير على المسار السّياسيّ والدّستوريّ، بما يستدعي تحقيقًا قضائيًّا وأمنيًّا أوسع.
المصدر:المدن
