مقالة المهندس يحيى مولود في موقع عكس السير:

هنالك مفاهيم خاطئة تعمّ الشارع اللبناني وتُنتج مشكلات إضافية نحن في غنى عنها، وأسوأها ما يُروَّج له دائماً تحت عنوان «التعايش». هذا المصطلح، كما يُستخدم في الخطاب العام، يقسّم بدل أن يجمع، ويوهم الناس بحلول زائفة لمشكلة لا يفترض أن تكون موجودة أصلاً.

هل يُفترض بالمسلم أن يصبح مسيحياً لكي “يتعايش”؟
وهل على المسيحي أن يصوم رمضان ليُثبت أنه منفتح؟

العيش الواحد في وطن واحد لا يحتاج إلى اختبارات نيات ولا إلى استعراض تنازلات. هو ببساطة احترام الكل للكل. هو أن يتمكّن كل منا من ممارسة طقوسه وإيمانه بحرية كاملة، من دون تمييز وأو إقصاء. لكنه لا يعني، في المقابل، فرض التنازل عن القناعات، ولا التكاذب، ولا التصنع.

وهنا بيت القصيد، فالإيمان شأنٌ شخصي، علاقة فردية بين الإنسان وربّه، لا يحق لأحد، من ساسة وأجهزة أمنية وإعلام، المتاجرة بها ولا استخدامها أداة لفرض السلطة. أما الدولة، فواجبها أن تتعامل مع الناس جميعاً، كل الناس، بعدل ومساواة أمام القانون، كي يستقيم ميزان الأمور وتُحفظ الكرامة والنظام العام. أمّا الخلط الدائم والمتعمّد بين الإيمان ومفهوم المواطنة، فهو كفرٌ بحقّ الإنسان، وهدمٌ للهيكل على رؤوسنا جميعاً، على يد ساسة هذا العصر الذين يتاجرون بالإنسان باسم الدين وباسم الله، لكي يَسلموا هم من دون أيّ دين أو إيمان. ويختلف الجميع!

وفي هذا السياق، لا بدّ من التوقّف عند طرابلس، وخصوصاً بعد الفيديو الذي ظهر البارحة وما تبعه من ردود فعل رسمية وشعبية. ففي ما جرى انفصامٌ واضح وانفصالٌ عن الواقع الذي نعيشه ونعرفه جيّداً. فما قيل في ذلك الفيديو ليس غريباً ولا استثنائياً، بل هو مما يُقال يومياً على شاشات التلفزة، وفي المقاهي، وفي الصالونات، وحتى في الصروح الدينية. والدولة تعلم ذلك. غير أنّ ردّة الفعل الرسمية جاءت على صورة أخطاء هذا النظام المفصوم، فشوّهت الواقع بدل أن تعالجه، وقدّمته على غير صورته الحقيقية. وكانت طرابلس، مرةً جديدة، الضحية.

وطرابلس، مدينة التنوّع الحقيقي، ليست كما تصوّرها الصور النمطية مدينة تعصّب أو انغلاق. هي مدينة مظلومة، دفعت وتدفع ثمن هذا النظام وإجحافه، وثمن سياساته الفاشلة، وإهماله المقصود لمدن الأطراف والمهمّشة. ومع ذلك، ما زالت تحتضن أبناءها جميعاً بالمحبّة، وتفتح أبوابها لكل اختلاف، وتُشبه الناس أكثر مما تُشبه الخطابات المفبركة عنها.

طرابلس لم تفشل، بل شُوّهت صورتها لتغطية فشل النظام وظلمه، ولتُحمَّل وزر سياسات لم تصنعها.
وتصحيح هذه الصورة ليس ترفاً، ولا دفاعاً عاطفياً عن مدينة نحبّها، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية. فطرابلس لا تحتاج من يبرّرها، بل من يعيد لها حقّها، ويكسر عنها ظلم هذه الصورة كما يكسر عنها ظلم كل هذه السياسات.

وهذا دورُنا جميعاً، أن نُميّز بين الإيمان ومفهوم المواطنة، كشريكين يتكاملان ولا يتعارضان أبداً، لنُعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ونرى طرابلس كما هي… مدينةً تتّسع للجميع، وتستحق عدالةً ومحبةً تُشبه ناسها الطيّبين.

شاركها.