ثماني سنوات قضاها الشاب عمر العاصي خلف القضبان، متّهَمًا بأنه كان ينوي تفجير نفسه داخل “مقهى الكوستا” في شارع الحمرا، قبل أن تصدر المحكمة العسكرية أخيرًا حكمًا بسجنه عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، وتجريده من حقوقه المدنية، ليخرج بعدها إلى الحرية بعدما اعتُبرت مدة توقيفه بمثابة تنفيذ للعقوبة.

 

لكن، هل هذا الحكم هو انتصار للعدالة؟ أم وصمة جديدة على جبين مؤسسة أمنية وقضائية تصنع “الإرهابي” ثم تحاكمه على جريمة لم تقع أصلًا؟

 

“خُدِعت… وخُوّفت… وكنت ذاهبًا إلى سوريا”

 

في جلسة الحكم، أدلى العاصي باعترافات صادمة: لم يكن ينوي القيام بأي عملية انتحارية، بل تم استدراجه إلى المكان تحت تهديد السلاح، في عملية “مُحكمة” قامت بها جهات استخباراتية، مستغلّة هشاشة شاب متأثّر بمآسي الثورة السورية، فاقد للاتجاه، يبحث عن طريق.

 

قالها بوضوح أمام القضاة: “كنت متجهًا إلى سوريا، لا إلى الكوستا… لم أرَ نفسي إلا هناك، مهددًا بالسلاح… أنا لست داعش، وأنا أخطأت.”

ورفض كل ما نُسب إليه في إفادته الأولية: “لم أقل إنني سأفجّر نفسي مجددًا لو خرجت من السجن… بل كنت مذعورًا، وخائفًا، ومُقيّدًا.”

 

اتهام… ثم نسيان… ثم حكم جاهز

 

ثماني سنوات من دون محاكمة، خمسة عمداء تعاقبوا على رئاسة المحكمة العسكرية، تغيّرت فيها حكومات، ووقعت ثورات، وتحوّلت البلاد إلى ركام، بينما ظلّ العاصي قابعًا في الظل، بانتظار “عدل” يأتي ببطء شديد، وحين أتى، حمل بيده لائحة اتهام جاهزة، لا تأخذ بعين الاعتبار ما تعرّض له من خديعة وتهديد وظروف نفسية وأمنية معقّدة.

 

دفاع قانوني صلب… وصوت لم يُسمَع

 

في مرافعته، أشار المحامي محمد صبلوح إلى أن موكله تعرّض لعملية خداع واختطاف فعلي أثناء توجهه إلى سوريا، وأن دخوله إلى مقهى الكوستا كان بالقوة وتحت تهديد السلاح، مطالبًا ببراءته أو الاكتفاء بالمادة 317 من قانون العقوبات، وهي مادة لا تُعامل كقضية إرهاب، بل كقضية تحريض طائفي.

 

لكن، وكما العادة، حين يتعلّق الأمر بالشباب المهمّش، والمنبوذ، والمكسور اجتماعيًا، لا أحد يسمع.

 

أين الدولة من محاسبة من ورّطوه؟

 

لا شك أن محاربة الإرهاب ضرورة وطنية، وأن حماية المدنيين واجب مقدّس. لكن من قال إن “الظلم باسم الأمن” يُنتج عدالة؟ من سيُحاسب الجهات التي زجّت بشاب لبناني في فخّ مميت؟ من سيسأل: لماذا لم تحصل محاكمة سريعة؟ لماذا ترك في الزنزانة ثماني سنوات بلا عدالة؟ ومن المسؤول عن تدمير مستقبله وسحق كرامته طوال هذه المدة؟

 

هذه ليست عدالة… هذه فضيحة

 

اليوم، خرج عمر العاصي إلى الحرية، لا بريئًا فقط، بل مكسورًا، مهزومًا، مهمّشًا من مجتمع سيواصل النظر إليه كـ”انتحاري”، بينما الجناة الحقيقيون – من استدرجوه، وهددوه، وفبركوا له تهمة إرهاب – لا يزالون طلقاء، وربما في مواقع القرار.

 

هذه ليست قصة “إرهابي خرج من السجن”، بل قصة شاب وقع ضحية لعبة قذرة… وخرج إلى حياة سرقوها منه باسم “العدالة”.

شاركها.